السيد محمد تقي المدرسي
115
من هدى القرآن
هكذا كانت الحكمة من تفاضل الناس . ابتلاؤهم ببعضهم لمعرفة مدى صمودهم أمام إغراءات الدنيا . وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً يحصي على الناس تصرفاتهم ، ويرصد سلوكهم تجاه بعضهم ، وكيف لا والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . [ 21 ] إلى هنا يكون السياق القرآني قد عالج العقبة الأولى في طريق الإيمان ، وهي النظرة الخاطئة للرسول ، لذا فإنه ينتقل إلى علاج العقبة الثانية وهي عقبة الكفر بالساعة . عندما يؤمن الإنسان بفكرة ما فإنه يبحث عن أي شيء ليبرر هذا الإيمان ، حتى ليمكننا تقسيم فكر الإنسان إلى جانبين : 1 - جانب الاعتقاد : وهو الإيمان بالفكرة ذاتها . 2 - جانب التبرير : وذلك للإبقاء على الاعتقاد . وهذا التقسيم نجده ليس لدى الكفار بالحق فحسب ، بل حتى لدى المؤمنين ، إذ لا بد أن يسعى كلا الطرفين ليبرر موقفه ، فالتبرير له وجه إيجابي وذلك إذا كان من أجل الحق ، وله وجه سلبي عندما يكون من أجل الباطل . إن قسما من الناس يبرر رفضه للرسالة بأعذار ، فيسأل : إذا كان الله قد بعث رسولا ، فلماذا لا ينزل علينا الملائكة لتخبرنا بصدق الرسالة ؟ أو يسأل : عن الله لماذا لا نراه جهرة ؟ . وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدْ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً استكبروا في أنفسهم حينما أراد كل واحد منهم أن يصبح رسولا تنزل عيه الملائكة ، وعتوا حينما طالبوا برؤية الله سبحانه وتعالى . [ 22 ] إن الدنيا دار اختبار ، ولا يتم الاختبار من دون حرية القرار ، وإذا ظهرت الملائكة فإن ذلك إيذان بنهاية مرحلة الاختبار إلى مرحلة الجزاء ، وآنئذ لا ينفعهم شيء . يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً إن الملائكة التي يطالب هؤلاء بمجيئهم مخلوقات جبارة ، أصوات بعضهم كالرعد ونظراتهم كالبرق ، يستطيع أحدهم أن ينسف الأرض بمن فيها ومن عليها بنفخة واحدة ، إذا أوكل الله له ذلك . وسيكتشف المجرمون مدى حماقتهم ، حين وضعوا شرط نزول الملائكة عليهم ، وسيعلمون كم أوقعهم عنادهم في الجهل ، عندما يرون الملائكة ، وسيكون قولهم آنئذ حِجْراً